نماذج
رائعة في مقاومة الظلم والصدع بالحق
إن من حيوية الأمة وقوة إيمانها وعظيم
غيرتها على الدين والحرمات أن تهب في وجه الظالم وتقول له لا، بل وتمنعه من تعديه
وجوره، وتنتصر للمظلوم ولا يستريح لها قلب، ولا يهدأ لها بال، ولا يقر لها قرار
حتى تأخذ له حقه؛ وبهذا ينمحي الظلم ويتأدب الظالم، ويعيش المجتمع في أمن وتتماسك
بنية الأمة وتصبح أقوى على مواجهة أعدائها ومنازلة خصومها، وقد حذر النبي –- صلى الله عليه
وسلم -– الأمة أنها إذا أغمضت
عينها عن فساد المفسدين، وتعدي المجرمين، وخاف علماؤها من سطوة حكامها، وجبنوا عن
قولة الحق وسكتوا إيثارا للسلامة عن المواجهة والمصارحة؛ فإنها في طريقها إلى
البوار، أخرج الحاكم في صحيحه وأحمد وصححه الذهبي" أن رسول الله – - صلى الله عليه
وسلم - – قال: إذا رأيتم أمتي
تهاب أن تقول للظالم أنت ظالم فقد تودع منهم..."
كما أخرج ابن ماجه والحاكم وغيرهم عن بريرة
بن الخصيب –رضي الله عنه– قال: لما قدم جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة لقيه رسول
الله –-
صلى الله عليه وسلم -– فقال:
أخبرني بأعجب شيء رأيته في أرض الحبشة فقال: مرت امرأة على رأسها مكتل فيه طعام،
فمر بها رجل على فرس، فأصابها فرمى بها فجعلت انظر إليها " أي جعل جعفر ينظر
إليها وهي تعيده في مكتلها " وهي تقول: ويل لك حين يضع الملك كرسيه فيأخذ
للمظلوم من الظالم!! فضحك النبي –- صلى الله عليه وسلم -– حتى بدت نواجذه فقال: "كيف تقدس أمة لا يؤخذ
لضعيفها من شريفها حقه وهو غير متعتع" وفي رواية: "لا قدست أمة لا تأخذ لضعيفها الحق من
شريفها غير متعتع " ومعنى غير متعتع – أي من غير أن يصيب هذا الشريف أذى
يضعفه أو يزعجه لأن التعتعة هي التردد
والحديث مليء بالدلالات مكتظ بالمعاني
والأسرار؛ فالنبي –- صلى الله عليه وسلم -–
يسأل جعفرا عن أكثر الأشياء عجبا وأشدها انتباها وأكثرها استفزازا للمشاعر
الإنسانية الحية، فلم يكن الجواب من جعفر عن بناية فارهة الطول، أو مظاهر للرفاهية
بلا حد أو أمور خارقة لم يعهدها في بيئته العربية البسيطة بل كان أمرا يبدو
للكثيرين أنه طبيعي بينما رآه جعفر فاجعة ومصيبة؛ وذلك لأنه رجل عشق العدل وتربى
على كره الظلم والرضى بالضيم، ورأى - صلى الله عليه وسلم - بثاقب نظره.
إن
تكرار مثل هذه الحالة دون أن يكون هناك أناس لهم مشاعر تتأذى من مشاهد الجور وصور
الاعتداء هو سبيل لإشاعة الظلم واتساع دائرته وهو إيذان لهلاك الدول وزوال الأمم
فمصدر العجب في هذه القصة في نظر جعفر
أمران:
الأمر الأول:
تجرد هذا الفارس من مشاعر إنسانيته مع ارتدائه
ثوب الوحشية والاعتداد بالقوة والغرور بها أمام أصحاب العجز والضعف، وعدم الخوف من
عقوبة زاجرة أو إدارة حازمة
الأمر الثاني:
أن مشهد الظلم
–الاعتداء على امرأة، وإراقة ما كان معها على الأرض من غير ذنب اقترفته ولا جريرة
ارتكبتها- على مجمع من الناس دون أن يلفت ذلك نظر أحد أو يستفز مشاعره أو يثير
غيرته وحميته لهو من أشد العجب، ومعنى ذلك أن مشاهد الظلم تتكرر يوميا، وتحدث
باستمرار حتى ألفها الناس واعتادوا عليها، ولقد بنى النبي –- صلى الله عليه وسلم -–
على هذه الحادثة وأخذ منها ناموسا كونيا وقانونا اجتماعيا وسنة في صعود الأمم
وهبوطها، فقال بأسلوب المستفهم المستغرب: "كيف تقدس أمة لا يؤخذ لضعيفها من
شريفها حقه وهو غير متعتع"